علي الهجويري
21
كشف المحجوب
أعلم أن جميع بنى الإنسان محجوبون عن عظمة الحق إلا أولياء اللّه وأصفياءه ولما كان هذا الكتاب تبيانا لطريق الحق ، وبيانا لغامض الإشارات ، وكشفا لحجاب الفناء ، فإني لم أجد عنوانا أليق به غيره . ذلك أن الكشف يقضى على الحجاب ، كما أن الحجاب يقضى على المكاشفة ، فلا طاقة للقريب على البعد ، كما أنه لا طاقة للبعيد على القرب . مثال ذلك : إن الحيوانات التي لا تعيش إلا في الخلاء لا يمكنها أن تعيش في غيره ، والعكس بالعكس . وسلوك طريق المعاني شديدة المشقة إلا لذلك الذي كان مخلوقا من أجلها . فقد قال صلّى اللّه عليه وسلم « كل ميسر لما خلق له » « 1 » وقد خلق اللّه عز وجل كل عبد لأمر وسهل عليه بطريقه . هناك حجابان : حجاب الرين الذي لا يمكن رفعه ، وحجاب الغين الذي يسهل كشفه . وتفصيل ذلك : أن صاحب حجاب الرين محجوب عن الحق بصفاته ، فهو بقلبه وقالبه يبحث عن الحق ويفر من الباطل ، وعلى ذلك فحجاب الرين يستحيل رفعه . والرين رمز للختم والطبع . قال اللّه تعالى : كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ « 2 » . ثم كشف سبحانه عن هذه الحقيقة بقوله إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ « 3 » . ووضح بعد ذلك السبب ، فقال سبحانه : خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ « 4 » . وقال أيضا : طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ « 5 » .
--> ( 1 ) أخرجه أحمد وأبو داود ، والترمذي . ( 2 ) سورة المطففين آية : 14 . ( 3 ) سورة البقرة آية 6 . ( 4 ) سورة البقرة آية : 7 . ( 5 ) سورة النحل آية 108 .